الشيخ محمد هادي معرفة

209

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

حصر القراءات في السبع كان العرض المتقدّم نموذجا كافيا عن اعتناء المسلمين ، في عامّة أدوارهم ، بالقراءات المعروفة عن الأئمّة الكبار ، وحفظها وتدوينها والقراءة بها أجمع ، غير أنّ أهل كلّ بلد كانت عنايتهم بمن حلّ في بلدهم من الأئمّة أكثر من غيرهم . ولم يكن من أحد من العامّة والخاصّة نكير على هذه السيرة المستمرّة ، كما تقدّم في كلام ابن الجزري أخيرا . وهكذا كانت اختيارات القُرّاء واجتهاداتهم في الأخذ والتمحيص ، موضع عناية كافّة المسلمين ، يتلقّونها ويقرأون بها . نعم في إطار من محدوديّة شروط خاصّة تقدّمت أيضا . لقد جرت هذه السيرة المستمرّة في كلا جانبي القراءة والإقراء حتى مطالع القرن الرابع ، حيث نبغ نابغة بغداد - في اجتلاب قلوب العامّة والنفوذ في عقول الأُمراء - أبو بكر « ابن مجاهد » . كان قد تصدّر كرسيّ شيخ القرّاء - رسميّا - من قبل الدولة ، واجتمعت عليه عامّة الناس في غوغاء وضوضاء ، وكان له منافسون أفضل نبلا وقدما في القرآن ، وكانوا يستصغرونه ضئالة علمه وقلّة روايته عن الشيوخ ، وعدم رحلته في طلب العلم ، وضعف مقدرته في فنون القراءة وأنواعها المأثورة عن الأئمّة الكبار . يقول المعافي أبو الفرج : دخلت يوما على ابن شنبوذ ، وهو جالس بين يديه خزانة الكتب ، فقال لي : يا معافي ، افتح الخزانة ، ففتحتها وفيها رفوف عليها كتب ، وكلّ رفّ في فنّ من العلم ، فما كنت آخذ مجلّدا وأفتحه إلّا وابن شنبوذ يهذّه كما يقرأ الفاتحة « 1 » ثمّ قال : يا معافي ، واللّه ما أغلقتها حتى دخلت معي إلى الحمام هذا ، والسوق للعطشي . « 2 » قال ابن الجزري : وكان قد وقع بين ابن شنبوذ وابن مجاهد تنافس على عادة الأقرآن حتى كان ابن شنبوذ لايقرئ من يقرأ على ابن مجاهد ، وكان يقول : هذا العطشي - يعني ابن مجاهد - لم تغبّر قدماه في هذا العلم .

--> ( 1 ) - يقال هذا الحديث يهذّه - بتشديد الذال - أي قرأه سريعا . ( 2 ) - السوق كناية عن رواج الأمر . والعطشي : لقب ابن مجاهد ، لأنّه ولد بحارة سوق العطش في بغداد ، فنسب إليها .